鳩の頸飾り — Ibn Hazm
المقدمة قال أبا محمد عفا الله عنه: أفضل ما أبتدئ به حمد الله عز وجل بما هو أهله، ثم الصلاة على محمد عبده ورسوله خاصة، وعلى جميع أنبيائه عامة، وبعد. عصمنا الله واياك من الحيرة، ولا حملنا مالا طاقة لنا به، وقيض لنا من جميل عونه دليلا هادياً إلى طاعته، ووهبنا من توفيقه أدباً صارفاً عن معاصيه ولا وكلنا إلى ضعف عزائمنا وخور قوانا و وهاء بنيتنا وتلدد آرابنا وسوء اختيارنا وقلة تمييزنا وفساد أهوائنا، فإن كتابك وردني من مدينة المرية إلى مسكني بحضرة شاطبة تذكر من حسن حالك ما يسرني وحمدت الله عز وجل عليه واستدمه لك واستزدته فيك. ثم لم ألبث أن اطلع على شخصك وقصدتني بنفسك، على بعد الشقة وتنائي الديار وشحط المزار وطول المسافة وغول الطريق وفي دون هذا ما سلى المشتاق ونسي الذاكر، إلا من تمسك بحبل الوفاء مثلك ورعى سالف الأذمة و وكيد المودات وحق النشأة ومحبة الصبي وكانت مودته لله تعالى ولقد أثبت الله بيننا من ذلك ما نحن عليه حامدون وشاكرون. وكانت معانيك في كتابك زائدة على ما عهدته من سائر كتبك، ثم كشفت إلي بإقبالك غرضك وأطلعتني على مذهبك، سجية تلم تزل علينا من مشاركتك لي في حلوك ومرك وسرك وجهرك، يحدوك الود الصحيح الذي أنا لك على أضعافه، أبتغي جزاء غير مقابلته بمثله. وفي ذلك أقول مخاطباً لعبيد الله بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أمير المؤمنين الناصر رحمه الله في كلمة لي طويلة وكان لي صديقا: أودك وداً ليس فيه غضاضة وبعض مودات الرجال سراب وأمحضتك النصح الصريح وفي الحشى لودك نقش ظاهر وكتاب فلو كان في روحي هواك اقتلعته ومزق بالكفين عنه إهاب وما لي غير الود منك إرادة ولا في سواه لي إليك خطاب إذا حزته فالأرض جمعاء والورى هباء وسكان البلاد ذباب وكلفتني أعزك الله أن أصنف لك رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه، وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة لا متزيداً ولا مفتنا، لكن مورداً لما يحضرني على وجهه وبحسب وقوعه، حيث انتهى حفظي وسعة باعي فيما أذكره، فبدرت إلى مرغوبك ولولا الإيجاب لك لما تكلفته، فهذا من الفقر، والأولى بنا مع قصر أعمارنا ألا نصرفها إلا فيما نرجو به رحب المنقلب وحسن المآب غداً. وإن كان القاضي حمام بن أحمد حدثني عن يحيى بن مالك عن عائذ بإسناد يرفعه إلى أبي الدرداء أنه قال: أجمعوا النفوس بشيء من الباطل ليكون عونا لها على الحق. ومن أقوال الصالحين من السلف المرضي. من لم يحسن يتفتى لم يحسن يتقوى. وفي بعض الأثر: أريحو النفوس فإا تصدأ كما يصدأ الحديد. والذي كلفتني لا بد فيه من ذكر ما شاهدته حضرتي وأدركته عنايتي وحدثني به الثقات من أهل زمانه، فاغتفر لي الكناية عن الأسماء فهي إما عورة لا نستجيز كشفها وإما نحافظ في ذلك صديقاً ودوداً ورجلاً جليلاً، وبحسبي أن أسمى من لا ضرر في تسميته ولا يلحقنا والمسمى عيب في ذكره، وإما لاشتهار لا يغني عنه الطي وترك التبيين؛ وإما لرضا من المخبر عنه بظهور خبره وقلة إنكار منه لنقله. وسأورد في نفي رسالتي هذه أشعاراً قلتها فيما شاهدته، فلا تنكر أنت ومن رآها على أني سالك فيها مسلك حاكي الحديث عن نفسه، فهذا مذهب المتحلين بقول الشعر، وأكثر من ذلك فإن إخواني يجمشوني القول فيما يعرض لهم على طرائقهم ومذاهبهم. وكفاني أني ذاكر لك ما عرض لي مما يشاكل ما نحوت نحوه وناسبه إلي. والتزمت في كتابي هذا الوقوف عند حدك، والاقتصار على ما رأيت أوضح عندي بنقل الثقات، ودعني من أخبار الأعراب والمتقدمين،فسبيلهم غير سبيلنا، وقد كثرت الأخبار عنهم، وما مذهبي أن أنضي مطية سواي، ولا أتحلى بحلى مستعار، والله المستغفر والمستعان لا رب غيره. تقسيم الرسالة وقسمت رسالتي هذه على ثلاثين باباً، منها في أصول الحب عشرة فأولها هذا الباب، ثم باب في علامات الحب، ثم باب فيه ذكر من أحب في النوم، ثم باب فيه ذكر من أحب بالوصف، ثم باب ذكر من أحب من نظرة واحدة ثم باب فيه ذكر من لا تصح محبته إلا مع المطاولة، ثم باب التعريض بالقول ثم باب الإشارة بالعي، ثم باب المراسلة، ثم باب السفير. ومنها في أعراض الحب وصفاته المحمود والمذمومة أثناء عشر بابا، وإن كان الحب عرضاً والعرض لا يحتمل الأعراض، وصفة والصفة لا توصف فهذا على مجاز اللغة في إقامة الصفة مقام الموصوف. وعلى معنى قولنا: وجودنا عرضاً أقل في الحقيقة من عرض غيره، وأكثر وأحسن وأقمح في إدار كنالها علمنا أنها متباينة في الزيادة والنقصان من ذاتها المرئية والمعلومة؛ إذ لا تقع فيها الكمية ولا التجزي، لأنها لا تشغل مكاناً وهي: باب الصديق المساعد، ثم باب الوصل ثم باب طي السر، ثم باب الكشف والإذاعة، ثم باب الطاعة، ثم باب المخافة، ثم باب من أحب صفة لم يحب بعدها غيرها مما يخالفها، ثم باب القنوع، ثم باب الوفاء،ثم باب الغدر، ثم باب الضنى، ثم باب الموت. ومنها في الآفات الداخلة على الحب ستة أبواب، وهي باب العاذل، ثم باب الرقيب، ثم باب الوشي، ثم باب الهجر، ثم باب البين؛ ثم باب السلو. من هذه الأبواب الستة بابان لكل واحد منهما ضد من الأبواب المتقدمة الذكر، وهما باب العاذل: وضده باب الصديق المساعد؛ باب الهجر وضده باب الوصل ومنها أربعة أبواب لا ضد من معاني الحب، وهي باب الرقيب، وباب الواشي، ولا ضد لهما إلا ارتفاعهما. وحقيقة الضد ما إذا وقع ارتفع الأول، وإن كان المتكلمون قد اختلفوا في ذلك. ولولا خوفنا إطالة الكلام فيما ليس من جنس الكتاب لتقصيناه. وباب البين وضده تصاقب الديار، وليس التصاقب من معاني الحب التي نتكلم فيها. وباب السلو وضده الحب بعينه، إذ معنى السلو ارتفاع الحب وعدمه ومنها بابان ختمنا بهما الرسالة، وهما: باب الكلام في قبح المعصية، وباب في فضل التعفف. ليكون خاتمة إيرادنا وآخر كلامنا الحض على طاعة الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذلك مفترض على كل مؤمن. لكنا خالفنا في نسق بعض هذه الأبواب هذه الرتبة المقسمة في درج هذا الباب الذي هو أول أبواب الرسالة، فجعلناها على مباديها إلى منتهاها واستحقاقها في التقدم والدرجات والوجود، ومن أول مراتبها إلى آخرها، وجعلنا الضد إلى جنب ضده فاختلف المساق في أبواب يسيرة والله المستعان. وهيئتها في الإيراد أولها هذا الباب الذي نحن فيه صدر الرسالة وتقسيم الأبواب والكلام في باب ماهية الحب، ثم باب علامات الحب، ثم باب من أحب بالوصف، ثم باب من أحب من نظرة واحدة، ثم باب من لا يحب إلا مع المطاولة، ثم باب من أحب صفة لم يحب بعدها غيرها مما يخالفها، ثم باب التعريض بالقول، ثم باب الإشارة بالعين، ثم باب المراسلة، ثم باب السفير، ثم باب طي السر، ثم باب إذاعته، ثم باب الطاعة، ثم باب المخالفة، ثم باب العاذل، ثم باب المساعد من الإخوان؛ ثم باب الرقيب، ثم باب الوشي، ثم باب الوصل، ثم باب الهجر، ثم باب الوفاء، ثم باب الغدر، ثم باب البين، ثم باب القنوع، ثم باب الضنى، ثم باب السلو ثم باب الموت؛ ثم باب قبح المعصية؛ ثم باب التعفف. الكلام في ماهية الحب الحب - أعزك الله - أوله هزل وآخره جد. دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل وقد أحب من الخلفاء المهدبين والأئمة الراشدين كثير، منهم بأندلسنا عبد الرحمن بن معاوية الدعجاء، والحكم بن هشام، وعبد الرحمن بن الحكم وشغفه بطروب أم عبد الله ابنة أشهر